الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

88

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفي هذا إدماج بالتعريض بأنهم أمّيّون ليسوا أهل كتاب وأنهم لما جاءهم كتاب لهديهم وإلحاقهم بالأمم ذات الكتاب كفروا نعمته وكذبوه قال تعالى : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ الأنبياء : 10 ] وقال : أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ [ الأنعام : 157 ] . وجملة إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ في موضع مفعول تَدْرُسُونَ على أنها محكي لفظها ، أي تدرسون هذه العبارة كما جاء قوله تعالى : وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ [ الصافات : 78 ، 79 ] أي تدرسون جملة إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ . ويكون فِيهِ توكيدا لفظيا لنظيرها من قوله : فِيهِ تَدْرُسُونَ ، قصد من إعادتها مزيد ربط الجملة بالتي قبلها كما أعيدت كلمة ( من ) في قوله تعالى : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً [ النحل : 67 ] وأصله : تتخذون سكرا . و تَخَيَّرُونَ أصله تتخيرون بتاءين ، حذفت إحداهما تخفيفا . والتخير : تكلف الخير ، أي تطلب ما هو في أخير . والمعنى : إن في ذلك الكتاب لكم ما تختارون من خير الجزاء . [ 39 ] [ سورة القلم ( 68 ) : آية 39 ] أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ ( 39 ) أَمْ للانتقال إلى دليل آخر وهو نفي أن يكون مستند زعمهم عهدا أخذوه على اللّه لأنفسهم أن يعاملهم يوم القيامة بما يحكمون به لأنفسهم ، فالاستفهام اللازم تقديره بعد أَمْ إنكاري و بالِغَةٌ مؤكّدة . وأصل البالغة : الواصلة إلى ما يطلب بها ، وذلك استعارة لمعنى مغلظة ، شبهت بالشيء البالغ إلى نهاية سيره وذلك كقوله تعالى : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [ الأنعام : 149 ] . وقوله : عَلَيْنا صفة ثانية ل أَيْمانٌ أي أقسمناها لكم لإثبات حقكم علينا . و إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ صفة ثالثة ل أَيْمانٌ ، أي أيمان مؤبدة لا تحلّة منها فحصل من الوصفين أنها عهود مؤكدة ومستمرة طول الدّهر ، فليس يوم القيامة منتهى الأخذ بتلك الأيمان بل هو تنصيص على التأييد كما في قوله تعالى : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ في سورة الأحقاف [ 5 ] . ويتعلق إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بالاستقرار الذي في الخبر في قوله : لَكُمْ أَيْمانٌ ولا